منتدى علم الاجتماع مكناس
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

مدخل  السكان  

المواضيع الأخيرة
»  تقرير عن ندوة المثقف و المجتمع بمكناس
الأربعاء نوفمبر 12, 2014 2:25 pm من طرف sumaya bakria

» الحكامة الأمنية
الثلاثاء أغسطس 12, 2014 5:02 pm من طرف sghiri abdelaali

» ما السوسيولوجيا القروية؟
الإثنين فبراير 10, 2014 6:52 pm من طرف زائر

» أسئلة اختبارات علم الإجتماع .... من الفصل الأول إلى الرابع
الإثنين يناير 13, 2014 12:46 pm من طرف sghiri abdelaali

» عرض في مادة انتروبولوجيا العالم الاسلامي 2009
الأربعاء ديسمبر 04, 2013 12:28 pm من طرف rachidov20

» موقع لتحميل الكتب في مجالات مختلفة
الثلاثاء ديسمبر 03, 2013 6:35 pm من طرف sghiri abdelaali

» تحميل كتاب المراقبة والمعاقبة ميشيل فوكو
الجمعة نوفمبر 29, 2013 5:26 pm من طرف sghiri abdelaali

» قراءة في كتاب نظريات التعلم لسلسلة عالم المعرفة العدد 70
الخميس يوليو 25, 2013 9:52 pm من طرف sghiri abdelaali

» كليفورد غيرتز والانثروبولوجيا التأويلية
الخميس يوليو 11, 2013 8:25 am من طرف sghiri abdelaali

يوليو 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




النسوية :فكرها و اتجاهاتها

اذهب الى الأسفل

النسوية :فكرها و اتجاهاتها

مُساهمة  sghiri abdelaali في الإثنين مايو 21, 2012 5:57 pm

النسوية: فكرها واتجاهاتها*

• النسوية مجموعة أفكار مترابطة لحركة اجتماعية أو موقف اجتماعي يهدف إلى التغيير وهي ترتكز على المطالبة بحق المرأة السياسي والقانوني
• كان للحركة النسائية المنادية بإعطاء المرأة حق التصويت الفضل في توحيد النساء باختلاف خلفياتهن الطبقية والعرقية والثقافية
• بعد ظهور الصناعة وتحويل الإنتاج من الإطار المنزلي إلى أماكن العمل العامة فقدت النساء أدوارهن في الحياة العملية واعتبرن غير منتجات
• يشكل اضطهاد النساء أكثر صور الاضطهاد انتشارا في كل المجتمعات•• واغترابهن عن مجتمعهن أساس المعاناة بالنسبة لهن.

إن إلقاء الضوء على أهم اتجاهات الفكر النسوي وتياراته هو الهدف الأساسي لهذه الورقة، وذلك لأن النسوية - حتى برغم ما قد يحمله الكثير من تحفظ ورفض لتنظيرها ومبادئها - تستطيع أن تقدم رؤية وتحليلا أعمق لبعض من مظاهر الحياة الاجتماعية، وبالتحديد تلك التي تكون المرأة طرفا فيها• إن ما تخضع له النسوية من تعديل وإعادة صياغة قد يفوق ما تمر به المدارس الفكرية الأخرى، وذلك لأنه - وحتى الآن وربما لوقت طويل - سيظل بحث النسويات مستمرا للطريقة التي ستتحرر بها النساء من الأطر الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية، والقيمية التي قدمت لهن حقوقا وفرصا أقل من الرجال•
وتظل النسوية مثل الكثير من النظريات الفلسفية تدمج عناصر عدة• ولذلك من الصعب لأي قامئة محدودة أن تكون شاملة• ولكن على الرغم من ذلك، يمكن للكثير من المنظرات النسويات تحديد اتجاهاتهن بين الليبرالية، والماركسية المتطرفة، والاشتراكية، والتحليل النفسي، والوجودي، وما بعد الحداثة• وتناقش الورقة المقولة القائلة بأن جميع هذه التيارات - على الرغم من اختلافاتها الجوهرية - تطرح مسألة المرأة من خلال تفسير وتحليل لوضع المرأة بما يتوافق مع اتجاهات تلك التيارات المنهجية، سواء كان ذلك التحليل يربط اضطهاد المرأة بالبيئة والتنشئة الاجتماعية، أو النظام البطريكي، أو نظام العمل والإنتاج، أو الأوديبية، وما قبل الأوديبية، أو المرأة بوصفها آخر•
كذلك تعرض الورقة بعض الأفكار المرتبطة بالنسوية غير الغربية (النسوية في العالم الثالث والنسوية في العالم العربي)•• التي، وإن كانت تتفق مع النسوية العالمية في المفاهيم العامة، إلا أن تلك المفاهيم وحدها غير كافية لتفسير وضع المرأة وتحليله في تلك المجتمعات• وعلى الرغم من أن الاستعمار والإمبريالية هما جزء من طرح نسويات العالم الثالث، إلا أن نسويات العالم العربي يركزن على الثقافة الموروثة، ونظام القيم في طرحهن، محاولات بذلك إثبات هويتهن وخصوصيتهن من خلال تلك الثقافة•


ينظر البعض الى النسوية بشكل عشوائي على أنها أبعد من أن يطلق عليها نظرية، فهي بالنسبة لهم مجرد خليط عشوائي لمجموعة انتقادات تنظيرية تجد صعوبة في تقديم تحليل نظري لدونية المرأة• وعلى النقيض من ذلك، يرى البعض أن النسوية ليست نظرية واحدة، وإنما هي نظريات وتيارات عدة، كل منها يتناول رؤية لقضية اضطهاد المرأة، محللا أسبابها ونتائجها، وواضعا استراتيجيات لتحريرها•
وعلى الرغم من عدم وجود تعرف أو مفهوم واحد للنسوية، يمكن القول بأنها مجموعة أفكار مترابطة لحركة اجتماعية، أو موقف اجتماعي تهدف الى التغيير• وهي في مجملها معنى واسع يرتكز على المطالبة بحق المرأة السياسي والقانوني، وحق الاستقلال الجنسي، وحق تساوي الفرص، وحق تقرير المصير (الحق بالإجهاض واستخدام موانع الحمل)، وقد تشكل كل ذلك نتيجة الاعتراف بالوضع الأدنى للمرأة، والناتج عن التمييز وعدم المساواة، النسوية لم تكن في يوم من الأيام حركة موحدة واحدة، ولكن تكونت من تيارات مختلفة• ويظل القول بأن الاختلاف الواضح داخل هذه المدرسة يكمن في اتجاهين: أحدهما يرتبط بتأييد حق المرأة القائم على التشابه، ويركز على أن المرأة إنسان تماما كالرجل، ولذلك لا بد أن تعطى الحقوق نفسها، واتجاه يقوم على الاختلاف يقول بأن النساء يختلفن عن الرجال، ولذلك لا بد أن يعطى لهن الحق بتمثيل وتقديم أنفسهن•
وتعقب بدايات الحركة النسوية أمر ليس باليسير، ولا يمكن إرجاعه الى زمن محدد، ولكن يمكن القول بأنه - حتى العصور الوسطى - كان هناك مناهضون لطبيعة المرأة وحقوقها• ولكن من المؤكد تاريخيا أن الفترة من 1790-1860 شهدت بدايات الحركة النسوية، وذلك لأن هذه الفترة امتازت بالأفكار التنويرية، مثل حقوق الإنسان، والارتكاز على القوانين الطبيعية• يضاف الى ذلك أن كلا من الثورة الفرنسية والأمريكية أثارت قضايا ذات ارتباط بحقوق المرأة• وفي العام 1792 كتبت ماري وولستونكرافت وثيقة نسوية مهمة بعنوان "الدفاع عن حقوق المرأة"•
وكان للحركة النسائية المنادية بإعطاء المرأة حق التصويت، والتي نشأت وتطورت في الفترة من 1860-1930 الفضل في توحيد النساء باختلاف خلفياتهن الطبقية، والعرقية، والثقافية• من خلال هذه الحركة، أدركت النساء أنه لا يمكن الاعتماد على الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية من أجل المساندة، وأنه لا بد لهن أن يحاربن بأنفسهن من أجل تحقيق المساواة والعدل•
وكذلك كان لدراسات فرويد، وخاصة تلك المرتبطة باللاشعور (نلفت النظر الى أن الدراسة النسوية السابقة لفرويد اعتمدت في تحليلاتها على الاختلافات البيولوجية) دورها في تحويل دراسات المرأة - وخاصة تلك المرتبطة بالمفاهيم الجنسية - من السطح الى ما هو موجود تحت السطح• وساعدت تلك الدراسات أيضا على استعراض اضطهاد المرأة وفهمه في ظل النظام البطريكي• وقد خضعت دراسات فرويد - فيما بعد - للكثير من الانتقادات من قبل النسويات، وانحصر تأثيرها على دراسات النسويات الفرنسيات فقط•
وكانت حركة تحرير المرأة التي ظهرت في الستينيات نتيجة للمظاهرات التي نظمت من قبل الطلبة، والعمال السود والنساء، لا سيما في أمريكا وفرنسا، قد أثبتت أن الفروق العرقية والطبقية كان لها الأثر القليل الذي لا يذكر في هذا التوحد، وكان لكتابات سيمون دي بوفرار وكيت ميليت دور كبير في نشأة الحركة• حيث طرحت ونوقشت - ولأولة مرة - الكثير من الموضوعات، ابتداء من العمل، وحتى فراش الزوجية، وظهرت عبارة "الشخصي يصبح سياسيا" شعارا لانطلاق النسوية•
إن النسوية مثل أي نظرية فلسفية عريضة الأسس يصعب تحديدها، ولكن من اتجاهاتها ما يمكن التعرف عليه، كالاتجاه الليبرالي، والماركسي المتطرف، والسيكولوجي/ التحليلي النفسي، والوجودي، وما بعد الحداثة• جميع هذه الاتجاهات تقدم بعض الإجابات عن التساؤلات حول النساء، جميعها تندد بالطرق الاضطهادية التي تتعرض لها النساء، وتحتفي بالطرق المتعددة التي استطاعت من خلالها بعض النساء التغلب على الأنظمة المكبلة لها، وبعدها الحصول على حقهن في تقرير المصير، وتشجعهن على الحياة والحب والضحك والشعور بالسعادة بوصفهن نساء•

1 - الاتجاه الليبرالي

ترى تونغ أن الاتجاه النسوي الليبرالي هو أفضل المداخل لمعرفة أفكار النسوية وأسسها - حتى وإن كان الكثير مما يؤخذ به الآن في جوهره مخالفا ومناهضا لهذا الاتجاه• ويؤكد الاتجاه الليبرالي أن المجتمع يتجه نحو الاعتقاد والإيمان بأن قدرة النساء العقلية والجسدية - بحكم طبيعتهن - أقل من قدرة الرجال، ولذلك فقد تم عزل النساء عن الأجواء الأكاديمية والاقتصادية والحياة العامة• ونتيجة لسياسة العزل تلك، ظلت القدرات الحقيقية لكثير من النساء غير مكتملة• ويرى الليبراليون أنه إذا قدمت للنساء وللرجال فرص واحدة في التعليم والحقوق المدنية، فمن الطبيعي أن يتقدم النساء والرجال بالمقدار عينه• ولتحقيق العدل والإنصاف الجنسي - كما يؤكد الاتجاه الليبرالي - يتعين علينا أولا أن نجعل قواعد التعامل الاجتماعي عادلة، وثانيا أن نتأكد من أن أيا من المشاركين في العمل لمصلحة المجتمع وخدمته، يكون مستفيدا، كما أن الإنصاف الجنسي كذلك لا يتطلب أن نكافئ كلا من الخاسر والفائز، حتى لو كان ذلك يعني عدم مكافأة المرأة•
إن الاتجاه السياسي للنسويات الليبراليات ينطوي على فهم وإدراك للطبيعة الإنسانية التي تحمل فرديتنا بوصفنا مخلوقات إنسانية، والمتمثلة في قدرتنا على التفكير العقلاني• والقول بأن العقل هو ما يميزنا عن المخلوقات الأخرى هو قول غامض نسبيا، ولذلك حاولت النسويات الليبراليات تعريف العقل بطرق شتى، مركزات إما على مظاهره الأخلاقية تارة، وإما على القدرة على إدراك التدبيرية تارة أخرى• ولذلك عندما يعرف العقل بأنه القدرة على إدراك الأسس العقلانية للأخلاق يتمحور تركيز الطرح على قيمة الاستقلال الفردي• على النقيض من ذلك، عندما يعرف العقل بأنه القدرة على حساب أفضل الوسائل للوصول للغايات المنشودة، فإن الطرح حينها يتمركز حول قيمة تحقيق الذات•
وأيا كان تعريف النسويات الليبراليات للقيمة بمفهومها الأخلاقي أو التدبيري، يظل الاتفاق على أن المجتمع العادل يسمح لأفراده بممارسة ذاتيتهم وتحقيق أهدافهم في الوقت نفسه• لذلك تؤكد الليبراليات أن الحقوق لا بد أن تعطى الأولوية في ممارسة الصالح والمفيد• وبعبارة أخرى، إن نظامنا الكامل من الحقوق الفردية مبرر ومقبول، لأن هذه الحقوق تشكل الإطار الذي من خلاله يمكننا جميعا أن نختار مصالحنا المستقلة دون المساس بمصالح الآخرين• مثل هذه الأولوية تتضمن الحرية الدينية على سبيل المثال• وتركيز الليبراليات على الحرية الدينية لا يرتبط بالديانات نفسها، بقدر ارتباطه بحرية الإنسان في ممارسة الدين، أي دين• ما ينطبق على الدين من هذا المنظور، ينطبق أيضا على المفاهيم الحياتية الأخرى•
ويقوم الاتجاه المعاصر للنسوية الليبرالية على أساس أن الهدف الأهم لتحقيق التحرر النسائي هو تحقيق المساواة الجنسية، ويطلق عليها في بعض الأحيان، العدالة الجنسية (من حيث الذكورة والأنثوية)• ما ترغب بفعله النسويات الليبراليات هو تحرير النساء من الأدوار الجنسية الجائرة، ويقصد بذلك مجموعة الأدوار التي تستخدم مسوغا لإعطاء المرأة دورا ومكانة أقل، أو حرمانهن أي دور أو مكانة على الاطلاق في الأكاديميا، والحياة العامة، وسوق العمل•
تلفت النسويات الليبراليات النظر الى أن المجتمع البطريكي يقوم على الاعتقاد بأن الدور الملائم للنساء هو ممارسة مجموعة من المهن المحدودة والمحددة، مثل: التعليم، والتمريض، والأعمال الإدارية، وبأنهن غير قادرات على القيام بمهمات قيادية أو بوظائف دينية واستثمارية• ويرى المجتمع الذكوري أن الوظائف البسيطة تلائم النساء، وذلك لأنها تتطلب خصائص ذات ارتباط بالشخصية الأنثوية - الذات الطموحة• في الوقت نفسه، يرى المجتمع الذكوري أن المهن المناسبة للرجل هي تلك المهن المرتبطة بالشخصية الذكورية - الواثقة والمتمكنة•
ترى النسويات الليبراليات أن هذه النوعية من التوصيف الجنسي، تتمثل بها أبشع معاني التفرقة وعدم المساواة بين الجنسين، ولذلك لا بد أن تعالج، ولا بد حينها للرجال من إدراك الهدف من التحرر تماما كالنساء•
تتابع النسويات الليبراليات نقاشهن على أساس أن الدمج بين الجنس والجنسي يفترض فقدان النساء للمتطلبات الضرورية لبعض المهن التي يعتقد أنها مرتبطة تماما بالرجل، والعكس صحيح، تجدر الإشارة الى أن التقسيم الجنسي من حيث الجنس يقصد به اختلاف الجينات XX للأنثى وXY للذكر، والاختلاف التشريحي، في حين أن مصطلح genderيقصد به السمات الشخصية والصورة النمطية للسلوك المتفقة مع التشكيل الثقافي لمفهوم الأنوثة والذكورة• وعليه فإن كل النساء يتوقع منهن مسبقا عدم ملاءمتهن لبعض المهن، فالمجتمع الأمريكي مثلا، في السابق، لم يكن مخطئا إذ أوجد لوائح تمنع النساء من ممارسة مهن "ذكورية"، كتلك المرتبطة بالتنقيب، والخدمة على البارات، والعمل في دوريات ليلية، أو في وقت إضافي، والتفرقة الجنسية في الواقع ما زالت قائمة، فعلى سبيل المثال إذا رشح رجل وامرأة لمنصب واحد (أعتقد لا بد أن تستثنى مارجريت تاتشر هنا) فإن معظم الناخبين يمنحون أصواتهم تلقائيا الى الرجل، اعتقادا منهم بأن النساء عاطفيات، وعصبيات، ومتقلبات، وشديدات الحساسية• الواقع نفسه خلف قرار أصحاب العمل إعطاء الأفضلية لتوظيف الرجل في بعض المواقع، وحرمان المرأة منها ولو توافر لديها المؤهلات نفسها•
وعلى الرغم من أن هناك حالات يدعى فيها بأن الرجل لا يتمتع بحظ أوفر من المرأة، إذ إن الرجال أيضا في الواقع ضحايا تفرقة جنسية، حتى عندما يكون القانون دائما رحيما بهم، فإن بعض محركات الضبط الاجتماعي ليست كذلك، ولذا نسمع شكاوى عن أسر ترفض الاستعانة برجل ليعمل جليسا للأطفال، وكذلك عن مدارس التمريض التي لا تجد الرجل "المؤهل" لشغل المناصب الإدارية لديها• وعلى الرغم من أن الليبراليات على استعداد للتعاطف مع الرجال الذين يجدون صعوبة في مهنة العمل مع الأطفال، بسبب التفرقة على أرض الواقع، إلا أنهن يلاحظن أيضا أن ما يعانيه الرجل لا يمت من بعيد أو قريب لتجربة المرأة• ولكن، بشكل عام، تظل تركيبة المجتمع تفضل الرجال على النساء في التنافس في سوق العمل التي من خلالها يكافئ المجتمع بـ: القوة والمكانة والمادة•
ويظهر في الكتابات الحديثة للنسويات الليبراليات اتجاه جديد، وهو الاتجاه نحو المفاهيم التي ترفض النزعة الى تقدير الشخص بناء على جنسه• المفهوم المقصود هنا هو مفهوم الشخص المحايد (متضمنا الأعضاء الذكورية والأنثوية)• لو فكرنا في هذا المفهوم، فالطريقة الأساسية الوحيدة التي يمكن لنا من خلالها أن نضمن أنه لن يكون هناك شخص يقع عليه الضرر بناء على جنسه أو جنسها هو أن نحمل كلا من السمات والسلوكيات الذكورية والأنثوية داخلنا• عندما يكون الكل كذلك، كما تقول الليبراليات، لن يكون هناك دافع للتفرقة ضد أي شخص كان بسبب جنسه• هذا بالتأكيد لا يتطلب عملية خلط لكل الكرموزومات والهرمونات، من أجل خلق إنسان مخنث (ليس بذكر ولا أنثى) إلا إذا كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لوضع نهاية للتفرقة القائمة على الجنس، من حيث الاختلاف في الجينات، أو من حيث الذكورة والأنوثة•
لقد ساعد نقاش الاختلافات الجنسية والأدوار الجنسية والتخنيث النسويات الليبراليات على تركيز الاهتمام بمفاهيم الحرية والمساواة والعدالة للجميع• بذلك لأن بعض المفاهيم كالدور الجنسي والسمات الجنسية تؤدي الى أنماط سلوكية تعزز تنشئة اجتماعية تدفع بدورها كلا الجنسين الى ميادين الاهتمام والمهن، فالولد ينشأ ليكون ذكوريا والبنت لتكون أنثوية• ويتوجه السيكولوجيون، والأنثربولوجيون والسوسيولوجيون الى تعريف الذكورة والأنوثة من خلال الصور النمطية السائدة والمتأثرة بالعرق، والطبقة والعوامل الإثنية• لذلك فمن جملة ما يجب أن يتميز به الرجل حتى يكون ذكوريا في المجتمعات العربية: العقلانية والطموح والاستقلالية، وما يجب أن تتميز به الأنثى حتى تكون أنثوية: العاطفة، والأمومة والاتكالية• بالتأكيد هذا لا ينفي وجود بعض الشرائح في المجتمع المخالفة لهذه القاعدة، فبعض الذكور قد يعكسون سمات أنثوية، وبعض الإناث قد يعكسن سمات ذكورية، ولكن هؤلاء الأفراد يشكلون الاستثناء أو الخروج عن المألوف• وتعاقب المرأة التي تظهر سمات ذكورية، كما تراها الجماعة التي تنتمي لها، تماما كالرجل الذي يظهر سمات أنثوية• وستعد تلك المرأة دون المرأة الحقيقية، وذاك الرجل دون الرجل الحقيقي•
وتقوم النسويات الليبراليات في السنوات الأخيرة بإعادة تقويم الكثير من مواقفهن النقدية والفكرية، وبالتحديد بأن يسلمن بميلهن لقبول قيم الذكورة، بوصفها قيما إنسانية• يضاف الى ذلك النقد الموجه إليهن من نسويات غير ليبراليات حول محاور عديدة، لا سيما فيما يتعلق بميلهن لتضخيم أهمية الحرية الفردية على حساب الصالح العام، وعلى ميلهن نحو إنسانية حيادية الجنس على حساب نسوية محددة الجنس•


2 - الاتجاه النسوي الماركسي

يرى الاتجاه النسوي الماركسي أنه من المستحيل لأي كان - لا سيما النساء - أن يحصلوا على فرص متعادلة حقيقية في مجتمع طبقي، حيث توفر الموارد من قبل الكم المستضعف، ويحصد نتاجها أو تنتهي الى يد القلة القوية• ولذلك يرى هذا الاتجاه أن اضطهاد المرأة ممثل ومتأصل في قانون الملكية الفردية، تلك المؤسسة التي تمحو وتطمس أي نوع من المساواة حققها المجتمع الإنساني• كذلك يرى هذا الاتجاه، أن ملكية مصادر الإنتاج والثروة بواسطة أفراد قليلين (نسبيا) من الرجال تشكل بالتأكيد نظاما طبقيا يكون من نتائجه بروز الرأسمالية والامبريالية• وإذا قدر لكل النساء - وليس للقلة المستفيدة أو المستثناة فقط - أن يتحررن يوما ما فإن النظام الرأسمالي سينتهي ليحل محله النظام الشيوعي•وذلك لأنه في ظل الشيوعية لن يكون أحد مسؤولا عن أحد، أو معتمدا اقتصاديا على الآخر، فالنساء سيكن اقتصاديا مستقلات عن الرجال، وبناء على ذلك سيكن متساويات معهم•
وعلى الرغم من الارتباط الفكري بين النسويات الاشتراكيات والنسويات الماركسيات، إلا أن هناك - على الأقل - اختلافا رئيسيا يفصل بين هذين الاتجاهين• وهذا ما تشير إليه تونغ حين كتبت: بينما النسويات الاشتراكيات يؤمن بأن التقسيم الجنسي والنظام الطبقي يلعبان دورا أساسيا متساويا في محاولة تفسير أي اضطهاد يقع على المرأة، تؤمن النسويات الماركسيات أن النظام الطبقي في نهاية المطاف يقدم تفسيرا أفضل لوظيفة المرأة ومكانتها• ففي ظل الرأسمالية - كما تقول النساء الماركسيات - لن يتعامل النساء البرجوازيات مع الخبرة نفسها من الاضطهاد، كتلك التي تعيشها النساء البرولتاريات• لذلك فإن تمييز النسويات الماركسيات هو دعوتهن لكل النساء، سواء برجوازيات أو برولتاريات لفهم اضطهاد المرأة وإدراكه، لا بوصفه نتيجة لسلوكيات فردية متشابكة، ولكن بوصفه نتاجا للنظام السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي المرتبط بالرأسمالية•
وكما نوقش مفهوم الطبيعة الإنسانية في تنظير النسويات الليبراليات، تمت مناقشة هذا المفهوم من قبل النسويات الماركسيات• وبينما ترى النسويات الليبراليات أن ما يميز الإنسان من الحيوانات الأخرى هو مجموعة القدرات، كالقدرة على التفكير العقلاني، واستخدام اللغة ومجموعة الممارسات، كالدين، والفن، والعلم، ومجموعة السلوكيات والتوجهات، كالتنافس، ووضع الذات قبل الآخر، ترفض النسويات الماركسيات هذا الطرح لليبراليات، ويؤكدن على أن ما يجعلنا بشرا هو أننا نقوم بإنتاج الوسائل والأدوات الكفيلة باستمرار بقائنا• إننا على ما نحن عليه بسبب ما نقوم به، وبالتحديد بسب ما نفعله لتوفير الاحتياجات الأساسية من النشاطات الإنتاجية، كالصيد، والزراعة، والبناء• فخلافا للمخلوقات الأخرى كالنحل، والنمل التي يحرك نشاطها الغريزة، نقوم نحن البشر ببناء أنفسنا عمدا وعن قصد، من خلال عملية التغيير والسيطرة على الطبيعة•
إن مقولة الماركسية "البشر يشكلون أنفسهم" لا تعني أن الرجال والنساء يجعلون من أنفسهم ما هم عليه، ولكن يقصد بها أن الرجال والنساء من خلال تراكمات عملية الإنتاج يصنعون المجتمع الذي يقوم بدوره بتشكيلهم• وتعتبر القوى المادية المتمثلة في عملية الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية - عند الماركسيين - هي المحركات الأساسية للتاريخ• كما ناقش ماركس الكيفية التي يقوم بها نمط الإنتاج للحياة المادية في تشكيل العمليات العامة السياسية، والاجتماعية، والثقافية للحياة - يؤمن الماركسيون بأن وعي الإنسان لا يحدد وجوده، وإنما وجوده الاجتماعي هو الذي يحدد وعيه• وتماما كالماركسيين في خطوطهم ونظرتهم العامة، تؤمن النسويات الماركسيات بأن الوجود الاجتماعي هو المحدد للوعي•
ولذلك فإن القول بأن "عمل المرأة لا ينتهي أبدا" يمثل للنسويات الماركسيات أكثر من مجرد قول مأثور، فهو وصف لطبيعة عمل المرأة• فالمرأة تشكل تصورا ومفهوما لذاتها، لم يكن ليتشكل لو لم يضعها دورها في الأسرة ومكان العمل في مرتبة أدنى من الرجل اجتماعيا واقتصاديا• ولذلك تؤمن النسويات الماركسيات بأنه حتى نفهم لماذا تضطهد النساء بطرق لا يتعرض لها الرجال، نحن بحاجة الى تحليل الرابطة التي تجمع بين مكانة المرأة في سوق العمل ونظرة المرأة لنفسها•
إن النقطة الأساسية لمكانة المرأة عند النسويات الماركسيات هي وضعها في سوق العمل، ولذلك يقوم تنظيرهن على الإيمان بأن عمل المرأة هو المحدد لفكرها، وتاليا لطبيعتها•
إن النظرية الماركسية في الاقتصاد، تعد الرأسمالية نظاما للعلاقات المتبادلة، يحجب حقيقة كونه نظاما لعلاقات القوى• لذلك تري النسويات الماركسيات أن حقيقة دفاع المفكرين الرأسماليين عن بعض علاقات شبه التعاقد، مثل تأجير الرحم نموذجا لممارسة حرية الاختيار، لا يعتبر محض مصادفة• فما يحجبه هؤلاء المفكرون - كما تؤكد النسويات الماركسيات - هو صراع القوى المحركة الذي يفسر بشكل أوضح حقيقة ما وراء تلك الاتفاقيات• فعندما تختار المرأة أن تبيع خدماتها الجنسية، أو قدرتها الإنجابية، فإنما هي تفعل ذلك فقط لأنها لا تملك شيئا آخر ذا قيمة لبيعه في سوق العمل، أي أن فرص إجبار المرأة عمليا على القيام بذلك هي أكبر من فرص الاختيار•
النسويات الماركسيات مثل كل النسويات حريصات على توحيد صفوف النساء، ولذلك فإن مفاهيم النظرية الماركسية كالطبقية والوعي الطبقي والوعي الزائف، جميعها تلعب دورا كبيرا في تنظيرهن• ويدور الكثير من النقاش والتساؤل داخل تجمعات النسويات الماركسيات، حول ما إذا كان النساء يشكلن طبقة؟ فمن ناحية بعض النساء هن زوجات، أو بنات، أو صديقات لرجال برجوازيين، على حين أن البعض الآخر زوجات، أو بنات، أو صديقات لرجال برولتاريين• بذلك يتضح أن النساء في المفهوم الدقيق للطبقية، كما تراه الماركسية لا يشكلن طبقة منفصلة• من ناحية أخرى، فإن خبرة الكثير من النساء في الأعمال المنزلية تحمل ما يكفي من التشابه لإثارة كفاح موحد من أجل الحصول على أجر مقابل العمل المنزلي• ومن أجل الاعتراف بالعمل المنزلي بوصفه عملا حقيقيا، فإن كثيرا من النساء اكتسبن الوعي بأنفسهن بوصفهن طبقة عاملة، ولكن ذلك الوعي يطلق عليه الوعي الزائف، لأنه من غير الملائم النظر الى الأمومة أو الزوجية، على أنها واجبات، وذلك لأن هذه المهام تقدم من قبل المرأة بدافع الحب•
من المفاهيم الأساسية في النظرية الماركسية والتنظير النسوي الماركسي، التي يمكن إضافتها الى الطبقية والوعي الطبقي مفهوم الاغتراب• ففي المجتمع الرأسمالي، كما ترى الماركسية، تتصف العلاقات الإنسانية بالاغتراب• إن الفرد لا يشعر بنفسه أو نفسها إلا عند انفصاله عن الآخرين• وترى آن فورمان في هذا المجال، أن الوضع بالنسبة للمرأة هو أسوأ مما هو عليه بالنسبة للرجل، فالرجل يوجد في العمل الاجتماعي للعمل والصناعة، كما يوجد في الأسرة، ولذلك فهو قادر على التعبير عن نفسه في هذه المجالات المختلفة• أما المرأة فإن مكانها هو داخل المنزل• إن تشيؤ الرجل في الصناعة وسوق العمل من خلال مصادرة نتاج عمله، يشكل أحد أشكال الاغتراب• ولكن تأثير الاغتراب على حياة المرأة ووعيها، يأخذ أشكالا أكثر اضطهادا• ويبحث الرجل عن متنفس لاغترابه من خلال علاقته بالمرأة، ولكن لا يوجد ذلك المتنفس للمرأة، إن هذه العلاقة "الحميمية" هي نفسها تشكل البناء الأساسي لاضطهادها•
ولذلك يشكل اغتراب المرأة أساس المعاناة بالنسبة إليها، لأنها ترى نفسها مجددا لإشباع احتياجات الآخرين، وترى غياب الآخرين غيابا لإحساسها بنفسها• استنادا الى ذلك، ترى النسويات الماركسيات أن المهمة الأولى لهن هي خلق عالم يمكن للمرأة أن ترى نفسها فيه شخصا متكاملا غير متجزئ•
وخلافا لحياة الإنسان في ظل النظام الرأسمالي، ترى النسويات الماركسيات أن حياة الإنسان في النظام الشيوعي حرة، ليس في ما يقوم به فقط، بل في ما يريده أيضا• وذلك لأنه يملك القوة لبناء النظام الذي يقوم بتشكيله•
يمكن للقارئ أن يرى، بين سطور الماركسية، وعدا بإعادة بناء الطبيعة الإنسانية بالشكل الذي يمنع كل التقسيمات الهدامة التي استعبدت البعض، وجعلت من البعض الآخر سادة• الماركسية أيضا تقدم الوعود لجعل الجميع أحرارا، وهو وعد ترغب النساء في رؤية أحد ما يحافظ عليه• وتؤمن الماركسية بأن الإنسان هو من يشكل المجتمع الذي يقوم بتشكيله، ومن ثم تؤمن بقدرة النساء والرجال معا على تشكيل البناء الاجتماعي، والدور الاجتماعي الذي سيسمح لكلا الجنسين بإدراك قدراتهم الإنسانية بشكل كامل•
إن الكثير من القضايا والأسئلة التي تقوم النسوية بمختلف اتجاهاتها وتياراتها بمناقشتها وتحليلها، لا تظهر لتشكل الأهمية نفسها للتحليل النسوي الماركسي، حتى في الكتابات الحديثة منها• ومثال ذلك، تلك الأسئلة المرتبطة بالإنجاب، والأمور ذات الأبعاد الجنسية (كموانع الحمل، والتعقيم، والإجهاض، والصور الإباحية، والتحرش الجنسي، والاغتصاب والعنف ضد النساء)• فقد اتجهت النسويات الماركسيات للتركيز على القضايا المرتبطة بعمل المرأة• ومن هذا المنطلق ساعدت الماركسيات على الفهم والإدراك لكثير من القضايا ذات الارتباط، مثل: الكيفية التي ترتبط بها الأسرة مع النظام الرأسمالي، والكيفية التي تم بها تهميش عمل المرأة المنزلي، بوصفه عملا غير حقيقي، وأخيرا الكيفية التي قدمت بها الوظائف الأكثر مللا والأقل أجرا للنساء بشكل عام• وبذلك يظل العمل للنسويات الماركسيات محور التنظير، حتى وإن لم يقدم تفسيرا كاملا لاضطهاد المرأة، فإن تحليلهن لطبيعة هذا العمل ووظيفته في النظام الاجتماعي مقنع حتى ولو بشكل جزئي•
في الحياة الاجتماعية التي سبقت ظهور الرأسمالية، شكلت الأسرة، أو المنزل، مركز الإنتاج• وعمل الوالدان، والأبناء والأقارب جميعهم بعضهم مع بعض لإنتاج أنفسهم جيلا بعد جيل• وقامت النساء بعمل الطبخ، وحفظ الطعام، والزراعة، والإنجاب، وتربية الأطفال• وقد شكل عملهن بالإضافة الى عمل الرجل، الأساس للنشاط الاقتصادي للأسرة الممتدة• ولكن بعد ظهور التصنيع وتحويل الإنتاج من الإطار المنزلي الى أماكن العمل العامة، فقدت النساء أدوارهن في الحياة العملية، واعتبرن غير منتجات، في مقابل ما قدمه الرجل من إنتاج مدفوع الأجر، إن عدم اعتبار "إنتاج" المرأة للبشر إنتاجا، واعتبار "إنتاج" الرجل للسلع أو المواد إنتاجا، إنما هو فشل في استيعاب مفهوم مصطلح الإنتاج كما تناقش النظرية الماركسية•
لذلك، كان ما يثير حفيظة كثير من النسويات الماركسيات، هو الإطار الذي يصور من خلاله النظام الرأسمالي طبيعة عمل المرأة ووظيفتها، ومن ثم تهميشه لهذا العمل• النساء وباستمرار ينظر إليهن على أنهن مستهلكات، وكأنما دور الرجل هو الحصول على الأجر، ودور المرأة هو تبديد هذا الأجر• ولكن النساء - كما تراهن النسويات الماركسيات - منتجات بالدرجة الأولى ومستهلكات بالدرجة الثانية•
إن العمل المنزلي - كما تقول م• بنسون - يظل باستمرار مسؤولية النساء• وعندما تخرج النساء للعمل خارج المنزل، يجب عليهن بشكل ما أن يقمن بالتوفيق بين متطلبات العمل الخارجي والعمل المنزلي معا• إن النساء - لا سيما المتزوجات منهن والأمهات واللاتي يعملن خارج المنزل ببساطة - يقمن بوظيفتهن، كما أن مشاركتهن القوى العاملة مشروطة دائما باستمرار قدرتهن على القيام بالمسؤولية كاملة داخل المنزل• هذا الوضع يظهر بشكل خاص في المجتمعات التي لم يوسع خروج المرأة للعمل فيها من حدود حريتها (مثل مجتمعات الشرق الأوسط) ويظل لذلك خروج المرأة للعمل غير كاف لإعطائها حريتها ما دام عملها داخل المنزل موضوعا ذا خصوصية ومطلوبا منها• لهذا تظل النساء ببساطة يقمن بجهد وظيفي مضاعف•
يشكل موضوع المرأة نقطة اختلاف أساسية داخل أروقة النسوية الماركسية، حيث تنقسم النسويات الماركسيات بين مؤيد ومعارض للأجر المادي للعمل المنزلي• وتقوم وجهه نظر المؤيدات على أن الوسيلة الوحيدة لإنهاء الظلم، المتمثل بمسؤولية المرأة عن العمل داخل المنزل بدون أجر إضافة الي عملها خارجه، هو أن تطالب النساء بأجر مقابل عملهن المنزلي• أما المعارضات لهذا التوجه فيقوم نقاشهن على صعوبة القيام بذلك• فإذا قامت الدولة بدفع أجور النساء المتزوجات فإن ذلك يعني أن قيمة ما ستدفعه ستفوق ما تقدمه الدولة للنساء العاملات خارج المنزل ثلاثة أضعاف أو أربعة، وهذا يعني بالتأكيد تثبيت نسبة ضريبية أعلى• هذا الى جانب أن هذا التوجه سيجعل النظام الرأسمالي أكثر رغبة في جعل كل شيء سلعة للبيع والتقدير المادي، بما في ذلك علاقة الزوجة بزوجها والأم بطفلها•
يضاف الى ذلك أنه عندما يدفع الأجر للمرأة مقابل عملها داخل المنزل لن تخرج المرأة للعمل خارجه، ونتيجة لذلك ترى المؤيدات أن هذا سيعظم من التقسيم الجنسي في العمل•
كما التزمت النسويات الماركسيات بدرجات تتفاوت نسبتها في طرحهن وتحليلهن لموضوع اضطهاد المرأة، وهن مازلن يحرضن النساء على دخول سوق العمل• كذلك مازلن ينجذبن الى البرامج التي تهدف الى تدمير الأسرة بوصفها وحدة اقتصادية تدعم بناء النظام الرأسمالي• وهن، أكثر من أي تيار آخر من التيارات النسوية، جعلن من رفاهية المرأة الاقتصادية واستقلالها اهتمامهن الأول، الى جانب تركزهن على الربط بين خبرة النساء بوصفهن عاملات ووضعهن داخل الأسرة• ولذلك فإن النقد الموجه لهن من النسويات غير الماركسيات يرتبط بدرجة عالية بطرحهن لفكرة الأجر للعمل المنزلي• يضاف الى ذلك النقد الموجه لهن والقائل بأن التركيز على طبيعة عمل المرأة ووظيفتها لن يسهم وحده في القضاء على اضطهادها•

3 - الاتجاه النسوي الراديكالي

ترى النسويات الراديكاليات أن النسويات الليبراليات والماركسيات لم يصلن في تنظيرهن الى ما فيه الكفاية• فالنظام التربوي الذي يقمع المرأة هو بالنسبة لهن نظام يتسم بالقوة والسلطة والطبقية والمنافسة، نظام لا يمكن تعديله ولكن يمكن محوه تماما من جذوره وفروعه• وتقول الراديكاليات إن أبوية النظام القانوني أو المؤسسات السياسية ليست هي التي يجب قلبها والقضاء عليها فقط، ولكن أيضا أبوية المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وخصوصا الأسرة التي يجب أن يقضى عليها كذلك•
ويعتمد بعض النسويات الراديكاليات في تنظيرهن على المقومات الجسدية التي استخدمت من قبل المناهضين والمعارضين لمساواة المرأة، باعتبار أن جسدها هو نكبتها ومستقبلها الثابت غير المتغير• على حين يركز البعض الآخر على الطرق التي استخدم بواسطتها مفهوم الأنثى/ الذكر والمرأة/ الرجل بحيث استغلت من أجل إذلال المرأة وإخضاعها للرجل عبر التاريخ•
وترى أن الكثير من أفكار النسويات الراديكاليات ما زالت تتطور باتجاهات عدة في وقت واحد• ولذلك فإن أي نقاش لهذه الأفكار لا بد أن ينتهي بالتركيز على البعض منها فقط• ولكن على الرغم من ذلك تعد أفكار الراديكاليات أكثر الأفكار النسوية عمقا، لأنهن يذهبن الى أن اضطهاد المرأة هو أكثر أشكال الاضطهاد ظهورا وأصالة• وهذا الادعاء يمكن تفسيره:
• بأن النساء عبر التاريخ هن أول جماعة تتعرض للاضطهاد•
• أن اضطهاد النساء أكثر أشكال الاضطهاد انتشارا في كل المجتمعات•
• أن اضطهاد النساء أكثر صور الاضطهاد عمقا وقسوة، ولا يمكن إزالته بأي تغيرات اجتماعية "طفيفة" كالقضاء على النظام الطبقي مثلا•
• أن اضطهاد النساء يجلب لضحاياه أسوأ صور المعاناة كما ونوعا، على الرغم من أن هذه المعاناة يمكن أن توجد دون أن تلاحظ بسبب التحيز الجنسي لكل من المضطهد والضحية•
• أن اضطهاد النساء يقدم نموذجا لفهم أشكال الاضطهاد الأخرى•
وأيا كان تركيز الراديكاليات وتناولهن لما سبق من عناصر، فالكتابة الراديكالية ستتناول واحدا أو أكثر من الموضوعات الخاصة بالإنجاب والأمومة والتقسيم الجنسي من حيث الذكورة والأنوثة وجنسية المرأة• ولذلك فإن محاولة تقديم أفكار هذا التيار لا بد أن تتناول هذه الجوانب الأساسية، وذلك لأن النسويات الراديكاليات يسلطن اهتمامهن على الطرق التي من خلالها حاول الرجال السيطرة على أجساد النساء• وهذه السيطرة قد تكون بواسطة تقييد موانع الحمل ووسائل التعقيم وقوانين الإجهاض، أو بواسطة العنف الذي تتعرض له النساء، مثل الصور الإباحية والتحرش الجنسي والاغتصاب والاعتداء بالضرب، وهو الذي يشكل لعبة قوى عنيفة الى الدرجة التي تكون من نتيجتها سلب المرأة السيطرة على جسدها، ومن ثم على إنسانيتها• وكذلك تتناول الراديكاليات الطرق التي من خلالها قام الرجل بتشكيل جنسية المرأة من أجل خدمة احتياجاته ورغباته لا احتياجات المرأة ورغباتها•
وتدعى فايرستون أن البطريكية ذلك النظام المخضع للمرأة يستمد جذوره من عدم المساواة البيولوجية بين الجنسين• ولذلك فهي، عكس الماركسية والماركسيات، ترى أن التمييز الطبقي الحقيقي هو ذلك الموجود بين الرجال والنساء، وأن علاقات الإنجاب لا الإنتاج هي المحرك الرئيسي للتاريخ• يضاف الى ذلك أنه إذا ما أردنا أن نفهم علة خضوع النساء للرجال فنحن بحاجة الى تفسير بيولوجي لا تفسير اقتصادي، وأن عدم المساواة بين الجنسين لا تعود الى الفروق البيولوجية الواضحة، بشكل بسيط أومسطح، وإنما الى الاختلاف بين دور الرجل والمرأة الإنجابي والذي أدى الى أول تقسيم للعمل انطلقت منه الطبقية•
لذلك ترى أن اضطهاد النساء يرجع الى الاختلافات البيولوجية، ولذلك فإن تحرر المرأة يتطلب ثورة بيولوجية في مقابل الثورة الاقتصادية التي قدمتها الماركسية لإنهاء اضطهاد العمال• ويمكن للتكنولوجيا أن تجعل هذه الثورة ممكنة• وذلك لأن التغيرات التكنولوجية والترتيبات القانونية، مثل الأمومة بالعقد، جعلت من الممكن للمرأة التي أنجبت أن تكون غير المرأة التي حملت، والمرأة التي حملت غير المرأة التي ربت• يضاف الى ذلك أنه متى أصبح من الممكن أن يتم الجمع بين البويضة والحيوان المنوي الحمل بالجنين خارج الرحم سيكون دور المرأة في العملية الإنجابية ليس أكبر من ذلك الدور الذي يقوم به الرجل• فالنساء سيتبرعن بالبويضات الى البنوك الخاصة بذلك كما سيتبرع الرجال بالحيوانات المنوية من ثم سيتخلص كل من الجنسين من أدوارهما المختلفة في عملية الإنجاب، وهذا سيؤدي الى تقليص كل الأدوار الجنسية•
إن ارتباط النساء بعملية الإنجاب جعل من السهل على المجتمعات حصر النساء وربطهن بالإطار المنزلي الخاص، وفي الوقت نفسه إرسال الرجال الى سوق العمل أو الإطار العام• ولذلك عندما تتوقف النساء عن الإنجاب واستهلاك ما ينتجه النظام الرأسمالي يختفي السبب المنطقي العقلاني للاحتفاظ بهن في المنزل، وبذلك تنتهي الأسرة بوصفها وحدة اقتصادية•
لقد خضع مفهوم الأمومة البيولوجية للكثير من النقد، لا من النسويات بشكل عام وبكل تياراتها فقط ولكن أيضا من النسويات الراديكاليات أنفسهن• ومن هذه الانتقادات ما قدمته أوكلي التي ترى أن الأمومة ليست إلا مجرد وهم وخرافة على جميع مستوياتها، كالقول بأن كل النساء بحاجة الى الإحساس بالأمومة، وكل الأمهات بحاجة الى أطفالهن، وجميع الأطفال بحاجة الى أمهاتهن•
في ما يتعلق بالتأكيد الأول القائل بأن كل النساء بحاجة الى أن يكن أمهات، اكتسب هذا التأكيد مصداقيته، كما تقول، من الطريقة التي تتم بها تنشئة البنت• فإذا لم يعط الوالدان ابنتهما الدمية، وإذا لم تقم المدرسة أو الإعلام أو المجتمع بالتأكيد على عجائب الأمومة، وإذا لم يقم علماء النفس والأطباء النفسيون بتحويل البنت (المسترجلة) التي لا تميل الى الأمومة الى البنت (الأنثى) التي ترغب بالأمومة، فإن عددا قليلا من البنات سينضجن وهن في احتياج ورغبة الى أن يكن أمهات من أجل أن يتولد لديهن الإحساس بقيمة الذات• وترى أن المرأة لا يعني امتلاكها بويضات أو رحما رغبة في الأمومة، ولكن المسألة كلها تنحصر في الكيفية التي تنشأ بها النساء اجتماعيا وثقافيا ليصبحن أمهات•
كذلك القول بأن كل الأمهات بحاجة الى أطفالهن - هو القول القائم على الاعتقاد بأن المرأة ستصاب بالإحباط إذا لم تشبع لديها غريزة الأمومة - فإن تناقش وتقول بأنه لا يوجد شيء يسمى بغريزة الأمومة، سواء كان ذلك يعني بأن كل النساء "الطبيعيات" لديهن الرغبة في إنجاب طفل، أو تولد لديهن تلك الرغبة خلال الحمل والإنجاب أو بعد ذلك•
أما في ما يتعلق بذلك المستوى المرتبط بالاعتقاد بأن جميع الأطفال بحاجة الى أمهاتهم فتعتقد أن هذا المستوى يشكل أكثر الصور الخرافية المتعلقة بالأمومة البيولوجية ظلما• وذلك لأن هذا المستوى ينطوي على ثلاثة افتراضات تربط المرأة بالأطفال بشكل غير ضروري، الأول هو ذلك المعنى الذي يدور حول القول بأن الأطفال بحاجة الى أمهات بيولوجيات لا اجتماعيات• أما الثاني فيحمل المعنى القائل بأن الأطفال بحاجة الى رعاية الأم المكثفة وليست رعاية الأب• والثالث الذي يقول بأن الأطفال بحاجة الى تنشئة مرب واحد فقط، ويفضل أن تكون الأم البيولوجية• ويتابع النقاش بالقول بأن كل هذه الافتراضات غير صحيحة• ففعالية الأم بالتبني لا تقل عن الأم الطبيعية، وكذلك الأطفال ليسوا بحاجة الى أمهاتهم أكثر من حاجتهم الى آبائهم، حيث إن الطفل بحاجة الى من يبني معه علاقة حميمة، ويمكنه أن يعتمد عليه ويكون معه عند الحاجة إليه، ولا يهم هنا أن يكون الأب أو الأم• كذلك فإن علاقة الأمومة ذات الطرفين (أم/طفل) ليست بالضرورة أفضل من علاقة الأمومة المتعددة الأطراف• كما تمارس مع أطفال الكيبوتس الإسرائيلية، حيث تقوم نساء مجتمع الكيبوتس بتكوين علاقة الأمومة مع تلك العلاقة أية آثار سلبية فأطفال الكيبوتس لا يقلون ذكاء أو تكيفا وسعادة عن غيرهم من الأطفال•
إن خرافة الأم البيولوجية - كما تراها - تم تشكيلها اجتماعيا وثقافيا لأهداف جائرة• ولذلك فإن خوف النساء من أن يتصفن بـ "عدم الطبيعية" أو الأنانية جعل حتى النساء غير الراغبات في الإنجاب أمهات، وأصبحت الأمهات اللاتي قد يجدن راحة في مشاركة الآخرين لهن في تربية أطفالهن يجعلن من الأمومة وظيفة تؤدى على مدار الساعة واليوم، ولذلك أصبح الكثير من النساء غير سعيدات بالأمومة، وجعل من الصعوبة بمكان الاعتراف بأي تحفظات جدية لأن في ذلك اعترافا بالفشل بوصفهن أفرادا•
وترى النسويات الراديكاليات أن الرغبة في الإنجاب والتربية ما هي إلا نتيجة للرغبة في الحصول على الرابطة الموثوقة النسب والحاجة الى استمرار الذات• فالطفل بالنسبة للرجل تخليد لاسمه ولملكيته ولطبقته ولهويته العرقية• والطفل بالنسبة للمرأة تبرير لأهمية وجودها وضرورته• لذلك فلو تملك الأفراد طرقا مختلفة لإشباع ذواتهم سيكتشفون عندهم عدم حاجتهم ليكونوا والدين بيولوجيين•
وتقدم النسويات الراديكاليات من خلال تنظيرهن طرقا عدة من شأنها تحرير المرأة من قفص الأنثوية• وتتفاوت هذه الطرق ما بين العمل باتجاه ثقافة خنثوية محايدة، تقل بها الاختلافات بين الإناث والذكور لتحل محل الثقافة الذكورية والثقافة الأنثوية• وبشكل عام يتميز التنظير السوي الراديكالي عن التيارات النسوية الأخرى بالتفاصيل التي يقدمها حول الطرق التي من خلالها يقوم الرجال وليس المجتمع أو الظروف بفرض أدوار وسلوكيات جنسية جائرة على النساء•
وتعتبر ميليت من أوائل النسويات الراديكاليات اللواتي أكدن ارتباط البطريكية باضطهاد النساء• ففي كتابها Sexual Politics ترى أن العلاقة الجنسية وقبل أي شيء هي علاقة سياسية• إن علاقة الرجل بالمرأة ما هي إلا النموذج لكل علاقات القوة، وإن سيطرة الرجل على العالمين الخاص والعام في المجتمع هي التي تشكل أسس البطريكية• ولذلك لا بد من تقليص هذه السيطرة إذا ما أريد للنساء أن يتحررن•
إن مفهوم البطريكية كما ترى قام على إبراز الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء وتعظيمها من أجل ضمان أن تكون الأدوار الذكورية والمسيطرة من نصيب الرجل، والأدوار الأنثوية المستعبدة من نصيب المرأة• وحتى تضمن البطريكية هذه المكانة العليا تقوم بالسيطرة على المؤسسات الاجتماعية الثقافية الأساسية في المجتمع، كالأسرة والمدرسة، وتقوم هذه بدورها بالتأكيد على تبعية المرأة للرجل والإحساس بالضعف والدونية تجاه الرجل• ويظل أسلوب الترهيب سمة من سمات البطريكية، إذ يجعل من المرأة العاقلة تلك التي تدرك وتفهم العلاقة أو ضرورة الربط بين الحياة والأنثوية•

*المراجع المعتمدة
نورة فرج المساعد**
* المجلة العربية للعلوم الإنسانية - العدد 71 السنة الثامنة عشرة
** دكتوراه في علم الاجتماع - جامعة مانشستر في بريطانيا 1994 " أستاذ مساعد - قسم الاجتماع - جامعة الملك عبدالع
زيز - جدة

sghiri abdelaali
مدير المنتدى

المساهمات : 163
تاريخ التسجيل : 19/05/2012
العمر : 27
الموقع : http://sociologie-meknes.forummaroc.net

http://sociologie-meknes.forummaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى